أنا لست بأميرة صغيرة

 

 

 

"إلى أين يرحل؟"

"إلى المكان الذي أتى منه؛ ربما، لست أدري!" يتوقف ومن ثم يتابع: "ألم تقرئي هذا الكتاب من قبل؟"

"لا! سمعت به لكنني لم أقرأه."  تجاوبه وتتابع: "لماذا أتى هنا؟"

"كان يفتش عن أشياء!"

"هل وجدها؟"

"أعتقد."

"سأقرأه فيما بعد.  لا أعرف متى ولكنني سأفعل. وعندها سأقول لك لماذا أتى هنا!" تقول وتعلو وجهها أشراقة ضاحكة.

"ليس عليك أن تقولي شِِِِيئأ!" يجيبها بخفوت.

من ثم يضع يده بجيبة جاكيتته الداخلية متحسساَ البطاقة الملساء.

ينظر إليها.  هي تنظر ألى االطاولة.

يقول أسمها.

"نعم!" تنظر إليه باسمة.

"لا شيء, أردت أن أقول أسمك!"

تنظر إلى الكتاب أمامها وتطوي ورقة الهدايا الملونة التي كانت تغلف الكتاب.  تطويها بعناية فائقة ومن ثم تضعها داخل الكتاب.

"ستحتفظين بها؟"

"نعم!"   تجاوبه مبتسمة.  "هي جزء من الهدية.  أليس كذلك؟"   وتنظر إلى ساعتها.

"ماذا ستفعلين الليلة؟" 

هو يعرف ماذا ستفعل الليلة.  ستذهب إلى منزلها. لا تريد أن تتأخر فتقلق بال أمها وأختها.  يسألها محاولآ أن ينسيها مرور الوقت.

  "لا شيء.  سأذهب إلى المنزل!  وأنت؟"

"سأكون كالعادة في بيروت."  يجيبها وينظر إلى الخارج.

"إذن نلتقي هنا مساء الغد!" 

لا يرد.  يهز برأسه كأنه يوافقها.

"سأراك صباح الغد في المبنى الجامعي على كل حال."  تقول له وتنظر الى الكتاب.

تحمل الكتاب.  تنظر إلى الصورة الملونة على الغلاف لولد صغير بقف أمام شجرة وفوقه نجم أزرق صغير.

ترشف المزيد من القهوة, وتنظر إليه.  تضع الفنجان على الطاولة.  ترفع يدها وترجع خصلات شعرها المتدلية فوق جبينها إلى الوراء.

تتحسس شعرها الذي يتدلى إلى رقبتها.

 

عندما رآها البارحة ظهراْ فوجىء بشعرها الكستنائي القصير.

كأنه يراها للمرة الأولى.

تقول له أن شعرها الأملس الذي تدلى إلى منتصف ظهرها بدأ يزعجها فقصته.

ويقول لها حينئذ مداعباُ:  "تبدين وكأنما كبرت."

تنظر إليه وقد بدت معالم الكأبة على وجهها.

"أنا لم أكبر."

"كأني أراك للمرة الأولى."  يقول لها وينظر إلى عينيها.

"وماذا ترى الأن؟"

يتطلع حوله بينما يتمشيان في الشارع.  إلى السيارات والأبنية والمارة ويبطىء من مشيه.  تتوقف أمام واجهة محل للثياب وتنظر إلى الثياب المعلقة خلف اللوح الذجاجي.

"أراك الأن تنظرين إلى الثياب."  يقول لها ويبتسم.

"هذا القميص يعجبني.  أحبه جداً."  تشير إلى قميص أبيض عليه تطريز دقيق لزهور صغيرة بألوان ربيعية خفيفة.

"نشتريه إذن!"

"لا، ليس الآن.  عندما تراني غداً مساءً في مكاننا المعهود ستراني مرتدية هذا القميص مع تنورتي المفضلة التي تعجبك جداً."

" قميص جميل."  ينظر بتمعن ألى أنعكاسها في الزجاج.  يتابع:  "تبدين أميرةً صغيرة."

يبدو عليها السرور.  تتقدم من اللوح الزجاجي.  تنظر ألى انعكاسه.  تنظر ألى القميص الملون.

"أنا أميرة صغيرة.  رائع.  سأملك الكثير من الزهور الملونة."  تتوقف.  تنظر إلى انعكاسها.

"نعم!  زهور ملونة تنمو على نجوم بعيدة.  تملكها أميرة صغيرة تقف أمامي الآن."  يقول لها.

وهي تنظر ألى انعكاسها يختلط وانعكاس الأبنية والأضواء.

ترفع رأسها وتنظر إلى سماء قاتمة لا أثر للنجوم عليها.  يغطيها ضجيج من أضواء تخفت وتقوى.

"لما لا!  قد تراني عندها وكأنك تراني أيضاً للمرة الأولى.  ولكنني لن أبدو أكبر من سني.  أسمعت؟"  تقول له وتداعب قدمه بطرف حذائها.

"حسناً.  سأهديك هدية أيضاً عندما أراك غداً مساءً!"

"حقاً؟  ما هي؟"  يبدو عليها الفرح.

"لن أقول لك،" يجيبها مداعباً. "سترين."

 

يتطلع إليها عبر الطاولة وينزل عينيه إلى الكتاب ويقرأ العنوان مراراً.

"بماذا تفكر؟"  تقول له.

"أفكر بك!" ويبتسم.

يتحسس البطاقة ثانبة في جيبة جاكيتته الداخلية.  بطاقة ملونة بألوان ربيعية حمراء وزرقاء، ألوان خفيفة مع رسم لطائرة صغيرة خضراء يمتد وراءها خط أبيض مستقيم.

"هل أعجبك القميص؟"

"نعم، جداً!  جميلة الزهور عليه."

تنظر الى ساعتها ثانية.

ينظر الى قميصها.  يلاحظ تقاطيع جسدها.  هي تنظر اليه، وتغمض عينيها، وتحني برأسها قليلاً الى الامام.  وهو يراها تضمه اليه بشدة.

تجلس على الكرسي مكتفة يديها.  من ثم تضعهما على الطاولة. 

يشعر بحرارة جسدها.  تفتح عينيها ثانية.

"عليَ أن أذهب الأن."  تقول بهدوء.

تقف حاملة الكتاب معها.  يبقى جالساً ينظر الى وجهها. 

"ألن تمشي معي؟"  تسأله.

"بلى، سأمشي معك!"  يقول بصوت خافت وينظر الى الطاولة.

يخرجان الى الشارع  ويتمشيان.  ينظر حوله الى المحلات المقفلة والشارع وأضواء المصابيح الكهربائية.

تلامس يدها يده.  ينظر الى أصابع يدها تحيط بيده وتضمها بقوة. 

تتوقف وتقول:  "نفترق هنا." 

يمسك يدها الثانية بيده.

تصمت لثوان وتتابع:  "أراك غداً صباحاً بالصف وبعدها نلتقي هنا ثانية بالمساء!"  تبتسم.  تقول:  "لا تنس.  هذا من الاشياء المهمة!"

تسحب يدها من يده ببطء. 

تبداُ برفع يدها.  ثم تنزلها.

 

"عندما تراني تقدم نحوي على مهل.  اعطني المجال كي اراك.  عندها أرفع يدي ملوحة لك."  قالت له منذ أشهر عدة.

"وأن لم تريني؟"

"لا تقلق سأراك.  هذا من الأشياء المهمة."  تتوقف وتتابع مبتسمة له:  "أليس كذلك؟"

"ما هو الشيء المهم؟  أن تبحثي عني أو أن تريني؟"  يسألها.

"الشيء المهم هى أنني عندما ابحث عنك سوف أراك لأنك ستكون قريباً مني."

"أهما نفس الشيء أذن.  ألبحث والرؤية؟"

"نعم!"  تقول له وتهز رأسها بسرعة وهي تبتسم.  ومن ثم تتابع بتأن:  "ألبحث ليس من الأشياء المهمة.  والرؤية أيضا ليست من الأشياء المهمة."

 تتوقف متفحصة وقع كلامها ثم تقول: "أنما، بالطبع، كما قلت لك، ألبحث والرؤية سوية من الأشياء المهمة.  عندها تكون قريباً مني."

هو عندما بحث عنها راَها.  يفكر أن ذلك من الأشياء المهمة أذن!  أن يكون قريباً منها.

لكنه اليوم عندما ينظر ألى السماء لا يرى الا ضجيجا من أضواء باهرة.

ينظر أليها ويقول:  "أفترضي أنني على نجم اّخر بعيد!"

"عندها قد أبحث عنك وقد تكون قريبا مني.  لكنني لن اراك.  وهذا ليس من الأشياء المهمة.  أنت لن تفعل ذلك.  قل لي أنك لن تفعل!"

"أن أذهب ألى نجم اّخر؟  طبعاً لا!"

هذا ليس من الأشياء المهمة.  فكر بصمت.

أن تبحث عنه.  أن لا تراه.  أن لا يكون قريباً منها.  أن لا يشعرا  بحرارة  جسديهما قريباً من بعضهما البعض.

هذا ليس من الأشياء المهمة.

 

يخطو ألى الوراء ويسند ظهره ألى الحائط.

تتقدم نحوه وتقف ألى جانبه.  تنظر ألى مبنى على الجانب الآخر من الطريق.  ترفع رأسها وتحرك عينيها.

تتتبع الأضواء التي تتسلل من نوافذ المبنى المعتم.

تنظر اليه وينظر أليها.  تحني برأسها وتنظر الى ساعتها.

نسمات هوائية خفيفة تحرك خصلات شعرها القصير.

ترفع رأسها وتنظر اليه.

 

"كم الوقت الآن؟"  سألته.

لاحظ أنها ترتدي ساعة حول معصمها الأيمن.  شعر بالأرتباك ولم يجب.  كأنما سألت شخصاً آخر.

كان ذلك منذ عام.

يراها تنظر أليه بطرف عينها في قاعة الصف.  هو لا يعرف أن كانت تختلس النظرات أليه قبل ذلك اليوم.

يرى جسد فتاة مرتبكة كمن وقع في فخ من الضجيج والأعين والأصوات والأبنية المدمرةوالنظرات والوحول والسيارات والشوارع الضيقة.

تجلس على الكرسي المحاذي له.  تضع كتبها الجامعية أمامها.  تشبك أصابع يديها بجانب كتبها.

تلتفت أليه متجنبة النظر ألى وجهه.

"كم الوقت الآن؟"  تسأله.

يلاحظ أنها ترتدي ساعة حول معصمها الأيمن.  يشعر بالأرتباك.  لا يجيب.  كأنها تسأل شخصاً اّخر.  تحمل قلماً وتحركه بعصبية.

 يختلس نظرة سريعة أليها.

تحني برأسها وتنظر ألى أصابعها.

ينظر حوله متجنباً النظر أليها.

وجوه الطلبة.  المحاضر.  شفاه تتحرك.  أصوات لا يفهمها.  عن الوقت.  عن الزمان والمكان. 

يشعر بها تختلس النطرات أليه.  يغمض عينيه.  يفتحهما.  ينظر أليها بطرف عينه.  يراها تنظر أليه بطرف عينها.

يحرك عينيه وينظر حوله.  المدينة.  المبنى.  القاعة.  هو لا يبالي.

ساعة تمضي.  تقف.  تحمل كتبها وتسير.

 

تمشي ألى الأمام.  تلتفت أليه وتبتسم. 

"أراك غداً."  تقول له.  تمشي ببطء حاملة الكتاب معها.  يلوح لها بيده.

ترفع يدها ملوحة له. 

تدير رأسها وتسير.

ينظر أليها تبتعد عنه.  تغيب عن ناظريه عندما تمشي في بقعة مظلمة على الرصيف ويراها عندما تسير في بقعة مضاءة.

ومن ثم تستدير عند مفترق طريق وتختفي.

يضع يده في جيبة جاكيتته الداخلية ويخرج البطاقة الملونة.  يتفحص البطاقة ويتأمل ألوانها. 

يفتحها مقلباً الأوراق.  يتوقف عند ورقة واحدة.

الثامنة صباح الغد تقلع الطائرة.

يعيدالبطاقة ألى جيبة الجاكيتة الداخلية.  يتقدم ويسير على الرصيف.

ماذا لو يقول لها أنه يريد أن ينسى حبه لها.

عندها لن يحتمل أن يراها حزينة وكئيبة كما كانت عندما التقى بها.

يتمتم بصوت يكاد لا يسمعه:  "ماذا عن النسيان!  هل هذا من الأشياء المهمة؟"

ماذا لو يسألها.

سوف تقول:  "لا، النسيان ليس من الأشياء المهمة."

 

نظر أليها وقال بعفوية:  "أريد أن أنسى حبي لك!"

أرجعت وجهها قليلاً ألى الوراء ونظرت أليه بغرابة.

يختبئاّن بين الأشجار وراء المبنى الجامعي.  يرى معالم الرمال الصفراء التي تبتدىْ بعد الشجرة الأخيرة.  الأصفرار الذي تقاطعه منازل كثيرة

تنتهي بطريق ومن ثم منازل كثيرة ويعدها المطار الذي ينتهي ألى البحر.

ينطر أليها ويقترب منها.  تلقي بكتبها على التراب وتضمه أليها بقوة.  يضمها أليه ووجهه يلامس وجهها.  يشعر بتنفسها الحار على خده

وبصدرها يتحرك بسرعة.

ينظر أليها ويقول بعفوية:  "أريد ان أنسى حبي لك!"

ترجع وجهها قليلاً ألى الوراء وتنظر اليه بغرابة.  وهو يتابع:

"أود أن أتحول الى نقطة من الدماء في عروقك.  عندها لن اكون!"

وتنظر أليه ضاحكة:  "ومن أضم ألي عندها!"

يفاجئه جوابها وتبدو الدهشة على وجهه.

"أن أضمك ألي بشدة.  هذا من الأشياء المهمة."  وتبتسم.

"أشياء مهمة؟"  يقول.

"نعم!  أشياء مهمة كأن أضمك ألي!"

يغمض عينيه كأنه يحاول أن يتذكر شيئاً ما.  " كأنني قرأت هذه الكلمات من قبل.  أشياء مهمة!"  يقول وينظر ألى عينيها.

"ربما."  تقول له وتغمض عينيها وتتابع: "عندما اغمض عيني أراني أضمك ألي.  أشعر بجسدك تشده ألى جسدي."

يقفان معاً في عناق طويل.  وهو يكفيه أن يشعر بأنفاسها الحارة على وجهه وبصدرها يتقدم مبطئاً ويتأخر في حركة رتيبة.  يضع أذنه على صدرها مستمعاً ألى دقات قلبها.  وهي تداعب شعره بأناملها.  يأخذ بيدها ويرفعها قريباً من وجهه.  يحدق بمعصمها.  ألى العروق الدقيقة.  يتتبعها عبر ساعدها.  ومن ثم ينظر ألى عينيها.  يضمها أليه ثانية ويداعب شعرها الكستنائي المالس الطويل المتدلي ألى منتصف ظهرها.

تلقي برأسها ألى كتفه وتقول:  "سأقصه قصيراً الى الرقبة.  بدأ يزعجني."

 

يتابع سيره ألى موقف التاكسي.  سيذهب الليلة ألى صيدا.  سيوضب أغراضه وينام.  وغداً صباحاً سيذهب الى المطار.

يجلس بجانب الشباك على المقعد الخلفي من سيارة التاكسي.  يغمض عينيه.  هو لا يسمع كلام السائق والأشخاص الذين يجلسون ألى جانبه على المقعد الخلفي.  يفتح عينيه وينظر ألى الخارج.  أضواء من بيوت وسيارات.  على الطريق الساحلية تتحرك أمامه المنازل والأشجار مسرعة بالأتجاه المعاكس.

يغمض عينيه ثانية.  يشعر بالهواء حاراً.  يشق شباكه ويشعر بهواء بارد يلامس وجهه.  يفكر أن الشتاء قريب.  الخريف يرحل مخلفاً وراءه زهوراً ذابلة ربما كانت لها من قبل ألوان منعشة خفيفة كالزهور الصغيرة على قميصها الجديد.  ويفكر أن كان هذا من الأشياء المهمة أيضاً.  الألوان الخفيفة وصوت تنفسها وحركة صدرها الرتيبة التي تحرك القميص معها.

وهو يفكر أيضاً أنها وصلت الى منزلها الاّن.  هي تتسلق الأدراج ألى الطابق الرابع وتفتح الباب.  تتكلم مع أختها وأمها.  تدخل الى غرفتها.

هي لن تقرأ الكتاب حالاً.  بل ستفتح خزانتها وستضع الكتاب تحت كومة موضبة من الثياب.  ستنظر ألى الرف الآخر.  قمصان جميلة ملونة.

هو لم ير غرفتها من قبل.

تخلع حذاءها.  تجلس على السرير.  ترفع تنورتها السوداء وتخلع جوارب النايلون بتأن.

تخلع تنورتها وقميصها بعد أن تفك أزراره.  تعلقهما بعناية على تعليقة الثياب بالزاوية قرب طاولتها.  تدخل ألى الحمام حاملة معها منشفة كبيرة.  تقف تحت المياه الساخنة التي تنزلق على وجهها.  جسدها.  تتكىء على حائط البورسلين.  تنظر أمامها.  تغمض عينيها. 

 

فتحت عينيها ثانية وقالت له:  "ليس الآن، ليس الآن.  في مكان اّخر."

جسدها يرتجف عندما تلامس شفتها وجهه وتشعر بشفاهه على طرف فمها.

تغمض عينيها. 

يضمها أليه وتشعر بدقات قلبها تعلو وبالدماء تتدفق في جسدها.  في عروق صدرها.  تشعر بتنفسها حاراً وثقيلاً.  تحس بحرارة صدره على صدرها.

يده تلامس وجهها.  عنقها.  أصابعه تفك أزرار قميصها.  تشعر بيده تنزلق متحسسة نهدها.   تطلق أنيناً خافتاً من فمها.   يده على حلمتها.  تكبر.  تتصلب.

تضع يدها على يده.

 تفتح عينيها ثانية وتقول له:  "ليس الآن، ليس الآن.  في مكان اّخر."  

يضع خده على صدرها.  يدها تضم وجهه.

ترى الضوء يرتعش بين أوراق الشجرة.  والسماء الزرقاء يتسلل لونها الى عينيها اللتين تغمضهما ببطء مع وقع تنفسها العميق.

 

تفتح عينيها ثانية.  ترى أنعكاس وجهها المبلل بالمياه بالمراّة امامها.

تدخل غرفتها وترتدي ثياب نومها.  تجلس ألى طاولتها.  تذهب لتخبر أمها وأختها أن عليها أن تدرس والتلفزيون يزعجها.  تعود الى غرفتها.

هو لم ير غرفتها من قبل.

"هل هذا من الأشياء المهمة؟  أن أرى أشياءك؟"

هي لا ترد.  هو فقط يغمض عينيه على المقعد الخلفي من السيارة.

هي تجلس على كرسي محاذ للطاولة.  تفتح كتابها الجامعي.  تحمل قلماً وتبدأ بالكتابة.  تفكر.  تنظر ألى الخارج.  من ثم تنظر ألى الورقة.

ترسم شكلاً هندسياً.

تحل مسألة عن الوقت.

 

"ما هو الوقت؟  بعد اّخر كأبعاد الفضاء!"  قال لها.  "لكنه بعد خيالي.  لكل وقته ومسافاته.  لكنما الحدث لا يتغير."

ينظر ألى السماء.  هو لا يرى النجوم.  فقط ازرقاقاً يطفو على عينيه.  يغلفه.  يتمدد على العشب على ظهره.  تقترب.  تتمدد على العشب بجانبه.  فجأة يتراءى له أن للسماء ازرقاقاً حقيقياً.  ترصعه نقاط صفراء من نجوم.  يرفع يده ليلمس النجوم.  هي أيضاً ترفع يدها.  يرى يدها تلوح له.  ووراءها السماء.  أزرقاقاً يتسلل من بين أصابعها المتحركة.  يده تلامس يدها.  ومن ثم يدها تشد على يده.  ينزل يدها ويده قريباً من وجهه.  يحدق بمعصم يدها.  بالعروق الزرقاء.  بالدماء التي تجري فيها.  ينظر ألى السماء الزرقاء.  يضم يدها ألى يده ويرفعهما ثانية.  يغمض عيناً واحدة ويحدق باليدين المرفوعتين.

"أغمضي عيناً واحدة وحدقي بأطراف الأصابع!"  يقول لها.

الأصابع تتحرك كأنها تبحث عن هدف ما في السماء.

"هنالك!"  يقول لها.

"ماذا هنالك؟"  تجيبه بهدوء.

"نجم واحد يغلفه كوكب ذهبي حيث الأحداث لا تتغير.  فقط لحظات متتابعة نراها من بعيد تنسج زماناً ومكاناً."  يتوقف.

وهي تنظر الى السماء.  تحرك رأسها ألى كتفه وتبتسم.

ويتابع:  "لكنها لحظات تتكسر، تتدافع، تملؤها أصوات عدة مبهمة غير مفهومة."

لن يسألها هذه المرة أن كان ذلك من الأشياء المهمة.

يخاف أن تقول:  "نعم!  هذا من الأشياء المهمة!"

هو يخاف أن تفتح خزانتها. في غرفتها التي ما راّها من قبل، لتخبىء بها أصواتاً مبهمة غير مفهومة.

"أذن الفتاة ستصغي وستقفز من كوكب ألى اّخر كي تجد صوتاً واحداً يعنيها."  تقول محركة يديهما في الهواء.  تشير الى كواكب عدة.

هي لن تقول له أن كان ذلك من الأشياء المهمة.

تخاف أن تقول:  "نعم!  هذا من الأشياء المهمة!"

وبعدها ستبحث ولن تجد الصوت.  فقط أصواتاً مبهمة ونظرات ثقيلة تُسلط عليها.  تربكها.  تؤذيها.  النظرات التي ما عادت تُعنيها وما عادت تبالي بها منذ وجدته.

 

يفتح عينيه ويحدق بالطريق المسرعة.  يصل الى منزله.  ويشعر بنعاس يحرق عينيه.  يتمدد على السرير.  عليه أن يوضب أغراضه.  أن ينام.  أن يستيقظ باكراً.  يضع يديه بين رأسه والمخدة.  يحدق بسقف الغرفة.

يتخايل غرفتها.  أشيائها.

هي ما تزال جالسة على الكرسي بجانب الطاولة.

ترسم أشكالاً هندسية.  تحل مسائل تتعلق بالوقت.  تحدق بالحائط.  تقف.  تمشي في غرفتها.  تتقدم نحو الباب المؤدي ألى الشرفة.  تفتح الباب وتخرج ألى الشرفة.  تضع يدها على حافة الحائط المطل على الشارع.  تلفحها نسمات خريفية باردة.  تنظر الى الشارع.  ألسيارات.  ألمارة.  أضواء المحلات المقفلة.  تعيد خصلات شعرها القصير ألى الخلف.

تراه يتقدم من بعيد.  تلوح على وجهها أبتسامة.  تدير وجهها ألى الناحية الأخرى.  تبحث عنه.  تتمعن بالمارة.  تبحث عنه ثانية.  تنتظره أن يرفع يده ملوحاً لها.  لكنه يختفي في زحمة المكان.

تدخل ألى غرفتها وتغلق الباب المؤدي ألى الشرفة.

تتمدد على سريرها وتغطي نفسها بلحاف سميك.  تغمض عينيها وتنام.

تحلم أنها في الخارج خلف المبنى الجامعي.  تجلس وتسند ظهرها ألى جذع شجرة.  تنظر ألى ساعتها.  الثامنة صباحا.ً

صفها يبتدىء الآن لكنها تنتظر.  تلتفت صوب البحر.  ترى أصفراراً من الرمال والبيوت والمطار الذي يلي البيوت.

تسمع صوت طائرة تقلع من المطار.  تراها تحلق على ارتفاع منخفض ثم تعلو.  تنظر ألى أعلى.  ترى الطائرة من خلال الأغصان والأوراق.

تقف.  تشعر بالهواء يلفح وجهها ويحرك شعرها.  تنظر حولها.  تبحث عنه.

تنظر ثانية ألى الأعلى.  تبدو الطائرة كعصفور يقفز الى غصن ويطير ثانية.

لكنها لا تسمع شيئاً الآن.

يختفي صوت المحرك.  السيارات البعيدة.

ترى قمم الأشجار تتحرك.  تلتوي.  تفكر أن الهواء قوي اليوم.  لكنها لا تسمع صوت الهواء.  حفيف أوراق الأشجار.  تراها تتحرك فقط.  أمام سماء زرقاء وغيوم بيضاء وغيوم قاتمة خفيفة وطائرة صغيرة تحلق صوب البحر.

من ثم تعود الأصوات.  الحركة.  الضوضاء.

عيناها تحدقان ألى الأسفل.  ترفع يدها أمام وجهها وتنظر أليها.  تضع كتبها على التراب.  من ثم تحدق بعروق زرقاء على معصم يدها.

تمسك معصمها بيدها.  وتضغط بقوة.  بعنف.  تحدق بالعروق النافرة.  زرقاء.  كزرقة السماء.

هي تسمع صوت الدماء.  وهي تتنفس.  ورأسها يرتج مع دقات قلبها.

تستيقظ وتتقلب في فراشها.  تنظر حولها في غرفتها.  تتمدد على ظهرها وتلتفت برأسها نحو طاولتها.  وتنظر كأنها تراقب حدثاً ما.

هي ستدخل المبنى.  تتقدم.  أضواء باهرة.  شفاه تتحرك على وجوه غريبة.  أصوات مبهمة.  نظرات ثقيلة تقع على جسدها.  أضواء.  أعين.  نظرات.  تحاصرها.  وهي تريدها أن تنزلق على جسدها وتسقط ألى الأرض.

تتقلب ثانية في سريرها والعرق يتصبب منها.  تزيل اللحاف عنها وتضع يدها على جبينها.  تمسح العرق وتغمض عينيها بشدة كأن ألماً يشق رأسها.

تفتح عينيها ثانية وتغمضهما.  ترى نفسها في مكان اللقاء المسائي المعهود.  تنتظره.  ترشف من فنجان قهوتها.  تنظر ألى ساعتها.  الوقت يمضي.  تنظر بوجوم ألى الكتاب الذي أمامها على الطاولة.  كتاب مغلف بورقة هدايا ملونة جميلة.  تزيل ورقة الهدايا عن الكتاب وتضعها على الطاولة.  تنظر حولها في المكان المعتم.  ألى غلاف الكتاب.  ولد صغير.  شجرة.  نجم أزرق.  تنظر ألى الخارج.  ألشارع المعتم.  تتصفح الكتاب.  تحدق بالصور الملونة.  تقرأ للحظات قليلة.  عن أشياء مهمة.  أشياء ذات أهمية.

تغلق الكتاب وتضعه على الطاولة حيث كان. 

تقف.  تمشي.  تتطلع بواجهات المحلات المقفلة.  ترى أنعكاسها على الزجاج يختلط مع بقع من الضوء الخافت الذي يأتي من الرصيف المقابل.  تقترب من أنعكاسها.  تنظر الى وجهها.  تمشي.  تتجه نحو منزلها.  تقف في الشارع المظلم وتتطلع ألى شرفتها.  ألى الباب المؤدي ألى غرفتها.

تفتح عينيها ثانية.  تنظر ألى سقف غرفتها.  السقف لم يعد هنالك.  بل ضجيجاً من الأضواء يتركز ألى ضوء واحد حاد.  تحاول الجلوس في سريرها.  يداها تسقطان في فراغ.  تقف.  تمشي.  هي ما عادت في ثياب نومها.  بل تنورتها وقميصها الجديد.   تتحسس دربها في الشارع المظلم.  هي محاطة بالعتمة ألا من بقعة ضوء واحدة على الطريق تحيط بها.

عيناها دامعتان من الضوء الحاد الذي يغمرها.  يلسع وجهها.  يكوي جسدها.

تتراجع بسرعة.  ألضوء الحاد يلاحقها.  تتعثر وتسقط على الأسفلت.  تبدو ككومة من ألوان تتحرك.  تقف.  يدها ترتجف كأن شيئاً ما يلسعها.

تمسح معصمها على قميصها فتظهر خطوطاً متقطعة حمراء قانية تختلط والوان الزهور الملونة الصغيرة.

تعاود تراجعها.  ألضوء الحاد يلاحقها.  تتوقف.

تصرخ بصوت عال:  "ماذا تريدون مني؟  ماذا تريدون؟  لا أشياء مهمة لكم عندي!"

الضوء يخفت قليلاً.  تصرخ ثانية:  "لا شيء لكم عندي!"

الضوء يأخذ بالخفوت.  تتقدم ألى الأمام.  تضم معصمها بيدها الأخرى.

تنظر ألى آثار الأسفلت السوداء على ساعدها.

ألى اللون الأحمر على معصمها.

لا يبقى من وجهها ألا خطوط تخفت ببطء.  تقف.

تنظر أمامها ألى الظلام وكأنها تنظر اليه وجهاً لوجه.

تقول له:

"أنا لست بأميرة صغيرة!

"فلا نجم اّخر عندي.  ولا أملك كوكباً اّخر أرحل أليه!"

معن محمد حمزة

أوستن، تكساس

ت1، 2000